علي بن أحمد المهائمي

245

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

قال : ( الدّين ) أي الذي يتعبد به الإنسان ( دينان ) شريعة بمنزلة المسائل المنصوصة ، وتصوف بمنزلة المسائل الاجتهادية ، إذ هو مستنبط عن معاني الأول مؤكد له ومشتمل كل منهما على أصول وفروع ، فأصول الشريعة مسائل الكلام ، وفروعها الأحكام الفقهية ، وأصول التصوف معرفة الحقائق ، وفروعها معرفة الأحوال والمقامات والأخلاق . والأول : ( دين عند اللّه ) ثبت بالكتاب ، ( وعند من عرفه الحق تعالى ) من الأنبياء ثبت بالسنة ، ومن عرفه الحق ثبت بالإجماع أو الاجتهاد . والثاني : ( دين عند الخلق ) أخذوه من معاني الكتاب والسنة وأقوال الأئمة ، وإشاراتها مع استعانة الرياضة والمجاهدة ، ( وقد اعتبره اللّه تعالى ) بقوله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] ، وإنما اعتبره لكونه مؤكد للغرض من وضع الشرع . ثم بيّن رتبة كل منهما بقوله : ( فالدين الذي عند اللّه ) ، ولم يقل : ( وعند من عرفه ومن عرف من عرفه ) إشعارا بأنهم مبينون لا يشرعون ، وإنما الشارع هو اللّه تعالى ( هو الذي اصطفاه اللّه ) ، حيث أنزله على الأنبياء وخصه بهم ، ( وأعطاه الرتبة العلية على دين الخلق ) إذ جعله أصلا لا يقبل بدونه دين الخلق ، وجعله كاملا مقبولا بدونه ، وإن كان فيه زيادة مراتب الكمال ( فقال : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ البقرة : 132 ] ) فلو كان دين الخلق أكمل منه ، لكان أولى بالتوصية من هؤلاء الكمّل ، وقد بالغوا فيه من تضييعه عند من رؤية المراتب الزائدة في دين الخلق ، وقد رأوا كثيرا من الناس انسلخوا منه بالكلية عند رؤية تلك المراتب ، فخسروهما جميعا ، والعياذ باللّه من ذلك . ثم فسره بقوله : أي : منقادون إليه يعني بالقلب واللسان والأركان ، لئلا يتوهم اختصاصه بالأول وحده أو مع الثاني كما يقوله البعض ، وهو لا يكفي في حق أهل الكمال ، ثم فسر الدين به وإن كان مفسرا بالشرع فيما تقدم وبالجزاء والعادة فيما يأتي ؛ فقال ( وجاء الدين ) في قوله : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ [ البقرة : 32 ] ( بالألف واللام بالتعريف ) ، فإن حمل على تعريف الجنس أو الاستغراق كان أمرا بالإتيان بدين من الأديان أو بجميعها ، وهو باطل بالضرورة ، فهو تعريف ( العهد فهو ) أي : المعهود ( دين معلوم ) للمخاطبين ؛ لأنه ( معروف ) فيما بين الأنبياء ، ( وهو ) الذي دل عليه ( قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] ) ؛ لأنه الذي أمر به جميع الأنبياء ، فلو كان عنده آخر لأمر به بعض الأنبياء ، فالدين الإسلام ، والإسلام ( هو الانقياد ) ، والانقياد فعل العبد ، ( فالدين عبارة عن انقيادك ) ، ولا يناقض هذا ما تقدم من قوله : دين عند اللّه ، ويجب تفسيره بالشرع الذي